محمد بن جرير الطبري
294
جامع البيان عن تأويل آي القرآن
الامام مخيرا في الحكم على المحارب من أجل أن أو بمعنى التخيير في هذا الموضع عندك ، أفله أن يصلبه حيا ويتركه على الخشبة مصلوبا حتى يموت من غير قتله ؟ فإن قال : ذلك له ، خالف في ذلك الأمة . وإن زعم أن ذلك ليس له ، وإنما له قتله ثم صلبه أو صلبه ثم قتله ، ترك علته من أن الامام إنما كان له الخيار في الحكم على المحارب من أجل أن أو تأتي بمعنى التخيير ، وقيل له : فكيف كان له الخيار في القتل أو النفي أو القطع ولم يكن له الخيار في الصلب وحده ، حتى تجمع إليه عقوبة أخرى ؟ وقيل له : هل بينك وبين من جعل الخيار حيث أبيت وأبى ذلك حيث جعلته حيث جعلته له ، فرق من أصل أو قياس ؟ فلن يقول في أحدهما قولا إلا ألزم في الآخر مثله . وقد روي عن رسول الله ( ص ) بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر . وذلك ما : حدثنا به علي بن سهل ، قال : ثنا الوليد بن مسلم ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب : أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية ، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين ، وهم من بجيلة . قال أنس : فارتدوا عن الاسلام ، وقتلوا الراعي ، وساقوا الإبل ، وأخافوا السبيل ، وأصابوا الفرج الحرام . قال أنس : فسأل رسول الله ( ص ) جبريل عليه السلام عن القضاء فيمن حارب ، فقال : من سرق وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته ورجله بإخافته . ومن قتل فاقتله . ومن قتل وأخاف السبيل واستحل الفرج الحرام فاصلبه . وأما قوله : أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فإنه يعني جل ثناؤه : أنه تقطع أيديهم مخالفا في قطعها قطع أرجلهم ، وذلك أن تقطع أيمن أيديهم وأشمل أرجلهم ، فذلك الخلاف بينهما في القطع . ولو كان مكان من في هذا الموضع على أو الباء ، فقيل : أو تقطع أيديهم وأرجلهم على خلاف أو بخلاف ، لأديا عما أدت عنه من من المعنى . واختلف أهل التأويل في معنى النفي الذي ذكر الله في هذا الموضع . فقال بعضهم : هو أن يطلب حتى يقدر عليه ، أو يهرب من دار الاسلام . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قوله : أو ينفوا من الأرض قال : يطلبهم الامام بالخيل والرجال حتى يأخذهم ، فيقيم فيهم الحكم ، أو ينفوا من أرض المسلمين .